الرئيسية إعلام ENKS آراء ومقالات إعلام ENKS الكورد في مواجهة كورونا
الكاتب والباحث السياسي الدكتور محمود عباس

الكورد في مواجهة كورونا

الإدارتان الكوردستانيتان حديثتا العهد، خبراتهما في تسيير شؤون الشعب، وإدارة المؤسسات الحكومية وقطاع الخدمات الاقتصادية والاجتماعية قليلة، مقارنة بالتي تتصدر العالم أو حتى الإقليمية، رغم أنهما تقدمتا على الأخيرة في كثير من المجالات والتي تشهد لهما العالم، مع ذلك فأي انتقاد لهما أو عرض لنواقصهما من وجهات النظر المختلفة، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، كجدلية ذات حدين؛ بقدر ما ستطعن قد تحتوي على الإيجابيات، وعليهما أن يدرسان ما يعرض عليهما من إشكاليات، من واقع عمرهما الزمني وقلة الخبرة والتجارب، كما وعليهما الاستفادة من تجارب الأخرين، فكما نعلم أن الحكيم هو الذي يستفيد من أخطاء غيره، وليس فقط من أخطاءه.

 

ربما ستفتح الكارثة العالمية الحالية أعينهما على ثغرات ما في أساليب إدارتيهما وتعاملها مع المجتمع، بل وعلى علاقاتها السياسية الداخلية. وهي المتوقعة من الدول العالمية بعد مرور خطر الوباء، فقد برزت نواقص نادرا ما كانت تلاحظ أو يعير لها الانتباه قبل هذه الصدمة ومهاجمة الفيروس للبشرية، وهي ذاتها المتوقعة من معظم الأنظمة العالمية وحتى من المنظمات الدولية، فقد تبينت أن البشرية ضعيفة أمام الكوارث بدون تكاتف، ولتفادي الانهيار يتوجب على كل الأطراف السياسية والثقافية والاجتماعية العالمية إعادة النظر في كل العلاقات الإنسانية السابقة، وعلى مستوى الدول النامية لا بد ومن البعد الوطني أو الإنساني إعادة النظر في قضايا التعامل الداخلي، وهذه موجهة بشكل خاص لإدارتينا الكوردستانيتين السياسية، والأسباب عديدة لسنا بصددهم الآن.

 

الرعب المرافق للوباء دفعت بدول العالم الثالث إلى حالة من الفوضى، وإن طالت أمد الوباء قد تنتهي بها إلى شبه دمار، بشري بعد الاقتصادي، ولإنقاذ ذاتها وهي في حالة الارتباك الذي تعيشه وضعف الإمكانيات تحاول تقليد أساليب الدول المتطورة المالكة لقدرات اقتصادية هائلة، فبهذا التقليد الكلاسيكي ستعرض مصير شعوبها إلى تفاقم أوضاعها الإنسانية-الاقتصادية المنهارة أصلا، وبالتالي الانزلاق إلى خطر الموت البطيء على الموت السريع من وباء كورونا؛ ففرض الحصار على الشعب وتشديد الحجر الصحي، وإغلاق مراكز العمل، ستؤدي إلى زيادة الفقر والعوز وبالتالي إلى تفاقم قلة التغذية وليس فقد سوئها، وبالتالي ستسهل على انتشار الإمراض النابعة من الفقر وضعف الرعاية الصحية. وجل هذه الدول النامية ومن بينهم الإدارتين الكوردستانيتين، لا يعالجان أو لربما لا يبحثان في الأزمة من واقع ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والصحية، فعلى الأغلب ليست كل الأساليب المتبعة في الدول المتطورة تتلاءم وأوضاع شعوبنا. ولا شك أن العالم وخاصة الدول المتطورة كانت ستعاني الدمار البشري الأكثر فيما لو لم تقم على فرض الحجر الصحي ومنع التجول، وهذه لا تلاحظ انعكاساتها الإيجابية على إدارتينا حتى الآن مثلما تظهر سلبياتها.

 

معظمنا أصبح يعلم، وخاصة الاختصاصيين، ومن بينهم الإدارات الصحية، أن جميع الدراسات الطبية تؤكد على أن نسبة الوفيات بوباء كورونا لا تتعدى 5% في أبشع مراحلها، وأن نسبة تصل إلى 70% من المرضى يصحون حتى دون المعالجة، والكثيرون الذين ينقلون إلى المستشفيات في الدول المتطورة؛ لا تتم معالجتهم بقدر ما يوضعون تحت المراقبة، لأن أدوات المعالجة لا تزال شبه معدومة تقريبا، خاصة الأدوية، كما وأن أجهزة التنفس ليست بتلك المنفعة، فما بالنا بالمجتمعات التي لا تملك أو تنعدم عندها المستشفيات المختصة والأجهزة والكوادر الطبية، وإمكانيات العزل هزيلة، وغيرها من الإشكاليات، وبالتالي فإن الملايين من البشر الذين يعانون من قلة المناعة بسبب الفقر حتى في زمن الأبواب المفتوحة للعمل، سيتعرضون في حالة فرض الحصار ومنع العمل وإغلاق أبوابها، إلى كوارث لن تكون بأقل من كارثة الوباء الحالي، بل وستساهم في تفاقمها.

 

فبالأساليب التي تتبعها الدول النامية والمقلدة للدول المتطورة، أو كما طبقتها الصين والدول الأوربية، ستفاقم من سوء الحالة الصحية للمجتمع، وستضعف مناعة الأفراد وخاصة الأطفال والشيوخ، وهذه ستساعد على سهولة انتشار الوباء حتى في حالة الحجر الصحي، والذي لا يمكن أن تطبق مثلما تتم في الدول المتطورة على الخلفتين الاجتماعية والاقتصادية؛ وبالتالي ستصبح هذه الشعوب أمام كارثة صعود نسبة المرضى والوفيات بالأمراض الأخرى، أي أننا بالإمكان القول أن احتماليات الموت من قلة التغذية ونقص المناعة في الجسم ستتضاعف في واقع الحصار المفروض في الدول المعانية اقتصاديا وخاصة تلك التي شعوبها على حافة المجاعات وتعيش على مساعدات الدول الكبرى والمنظمات الإنسانية.

 

فالدول التي لم تكن قادرة على دعم شعوبها قبل الوباء، أو حتى التي كانت تقدم بعض الخدمات، وبالإمكان إدراج الإدارتين الكوردستانيتين في جنوب وجنوب غرب كوردستان ضمنهما بشكل أو أخر، تعيش حالة صراع بين الحجر الصحي وتأمين متطلبات الحياة للمجتمع، وكأنها حيرة بين الموت والموت، وهذه ستعقد مع أسلوب الحصار التقليدي للدول الكبرى، ظروف معاناة شعوبها، فقد تحجم انتشار الفيروس، وتقلل من خطر تفاقم نسبة الوفيات، لكنها ستخرج بشعب متهالك يعاني ويلات الضعف الصحي والأمراض الناتجة من قلة التغذية وقد تؤثر هذه على الأجيال القادمة.

 

ففي هذه المرحلة، نادرا ما نرى دول تتحدث عن تقديم المساعدات للمجتمعات المعانية، جلها ملتهية بذاتها، بل تبينت أن هذه الدول أضعف مما كانت تظهره سابقا في حالة الرخاء وزمن الحروب العلنية، إلى درجة ظهرت في إداراتهم وقطاعاتهم الاقتصادية العديد من جوانب الضعف بحيث لا تتمكن من تأمين متطلبات مستشفياتها حتى الآن، كما وظهرت سلبيات خدماتها الصحية، وعدم تلاءم صناعاتها مع الكوارث، وبالتالي كشفت قدراتهم الحقيقية، فأصبح أعلام معظمهم ينتقدون الإدارات السياسية، رغم محاولات الابتعاد عن إثارة الخلافات في هذه المرحلة الكارثية، فقد أصبح الجميع ضمن موجة المعاناة، وبالتالي فالكل يشعر أنهم بحاجة إلى مساعدة بعضهم البعض، ونادرا ما يتم الحديث عن تقديم المساعدات للدول الفقيرة والمجتمعات المعانية من الحروب الإقليمية والأهلية، أو التي تتربص بها الإعداء كالشعب الكوردي، وتحاول استغلال هذه الفرصة للانقضاض على مكتسباتنا. مع ذلك ليس هناك للدول والمجتمعات المعانية إلا القليل من الرعاية الصحية وشيء من الحجر الصحي، وانتظار الدول المتطورة ومراكز بحوثهم، على أمل الحصول على عقار لإنقاذ البشرية.

 

فأمريكا جلبت مساعدات من الصين وروسيا، ومثلها إسبانيا وإيطاليا، والأخيرة كانت تعاتب ألمانيا في البداية على عدم مساعدتها، فالدول المتحضرة وصاحبة الرخاء الاقتصادي سخرت كل إمكانياتها لشعوبها، تتقبل الانهيار الاقتصادي كمرحلة مؤقتة أمله بنهوض سريع بعد التخلص من الوباء، كثيرا ما يقول دونالد ترمب أن اقتصاد أمريكا ستنهض بقوة لا مثيل لها في السابق بعد الخروج من الكارثة. ولكن معظم المراقبين يقولون إن استمرت الحالة فستحصل ما لا يمكن توقعه للبشرية، وانهيارها الاقتصادي تعني انهيار العالم، مع ذلك تخلت عن معظم مشاريعها الإنمائية والتعميرية، وأغلقت أبواب التجارة باستثناء المتصلة بالمساعدات الطبية، كما أوقفت جميع تحركات جيوشها لتسخرها لمساندة شعوبها.

 

فماذا تستطيع الإدارة الذاتية في جنوب غرب كوردستان وحكومة الإقليم في جنوب كوردستان أن تعمل وتقدم، في مرحلة الانهيار الحاد لأسعار النفط، والأخطار المحدقة بهما من الأنظمة المحاطة والمعادية، للحفاظ على معيشة العائلات التي كانت تؤمن لقمة خبزها يوما بيوم، وخاصة في المدن وحيث التموين الذي كان يأتي به رب العمل يومياً، وكيف ستسد حاجة البيوت الخالية الآن من المال والمواد التموينية، وبالمقابل احتمالات شح المواد لاعتمادهما على الاستيراد، ونحن لا نتحدث عن زيادة الأسعار ودور تجار الحروب، وما أكثرهم في أسواق الجغرافيتين الكوردستانيتين.

 

لا بد من البحث عن سبل مناسبة تتلاءم وشعبنا وظروفه المعيشية والاجتماعية والصحية، والإمكانيات المادية للشعب والإدارة معاُ، قبل قطع منابع الارتزاق وأغلاق معظم المحلات، والمتاجر وتفاقم الأسعار، رغم ما تقوم بها الإدارتين من خدمات صحية، ونأمل أن يتصاعد الحد من تحكم تجار الحروب بالسوق، وغيرها من الإشكاليات التي تنخر مجتمعنا؟ ولا شك نحن هنا نتحدث عن إداراتنا الكوردستانية والتي هي أمثلة عن معظم شعوب وحكومات العالم الثالث.

 

فعلى الأرجح الحلول وخاصة أساليب الحصر التي تنتهجها الدول المتقدمة غير مناسبة لمجتمعاتنا بدون تعديلات، رغم أن الوقاية من ضرورات الصراع لمنع انتشار الوباء، فعلى إداراتنا الكوردية، ومن واقع ظروفها، البحث عن حلول تتلاءم وواقع الشعب، مع الأخذ بعين الاعتبار عدمية الاقتصاد، والفقر الذي يلم بشريحة واسعة من المجتمع، وقلة المواد وشحة بعضها، بل عدمها وخاصة التي كانت تستورد من الخارج، مع إغلاق الحدود الدولية، وارتفاع الأسعار وخاصة المرتبطة بسعر الدولار.

 

 

 

شاهد أيضاً

هل كوردستان تتجه نحو الحضارة؟. الجزء الثالث

  3- ماذا يجري في غرب كوردستان: ضعف الوعي المعرفي، وضيق مجالات الإدراك الجمعي القومي …